هذا المقال مقسم إلى عدة صفحات:
- تمهيد
- القرآن وحي عربي للكتاب
- مبادئ الدراسة
- نقاط الجدل
- أهم نقاط الالتقاء بين القرآن والإنجيل
- دعوة إلى التفكير
1. أهم نقاط الالتقاء بين القرآن والإنجيل
أهم نقاط الالتقاء بين القرآن والكتاب هي الوحي بالله الواحد، خالق الكون. ومن جهة أخرى، أهم شهادة للقرآن لصالح الإنجيل هي أن عيسى هو حقاً المسيح. لو لم يؤكد القرآن على هذه العقيدة الأساسية، لما كان صادقاً. فهذه الشهادة بالذات هي التي خزت اليهود وأثارت نقمتهم على محمد. وأكثر من ذلك، فإن القرآن يأتي مصدّقاً للرسالة الإنجيلية بكاملها. لو قال القرآن أن عيسى ليس المسيح، لقبله اليهود وما حاربوا محمد، لأن ذلك كان سيبرر انتظارهم لمسيحهم الصهيوني المعروف في الإنجيل بـ "المسيح الدجال". سنتطرق لهذا الموضوع في معرض حديثنا عن المسيح.
أهم نقاط الالتقاء بين القرآن والإنجيل هي التالية:
- المسيح
- مريم العذراء
- المائدة السماوية
- الروح (القدس)
1.1. المسيح
الحقيقة الأولى والكبرى التي كشفها القرآن للعرب هي أن لا إله إلا الله. الحقيقة الأساسية الثانية هي أن عيسى هو حقاً المسيح الذي أرسله الله والذي تنبأ بمجيئه أنبياء العهد القديم. كما ذكرنا آنفاً، إن كشف هذه الحقيقة من قبل القرآن هو الذي أثار سخط اليهود ومنعهم من تأييد القرآن. لأنهم لو اعترفوا بالقرآن لاضطروا إلى الاعتراف بالإنجيل أيضاً وبأن عيسى هو المسيح والتخلي بالتالي عن فكرة انتظار مسيحهم الصهيوني. هذه أهم الآيات القرآنية التي تؤكد أن عيسى ابن مريم هو المسيح:
[ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم… ] (قرآن 3؛ آل عمران 45).
[ ...وقولهم (اليهود) إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله … ] (قرآن 4؛ النساء 157).[ المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه… ] (قرآن 4؛ النساء 171).
[ قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد الله أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه… ] (قرآن 5؛ المائدة 17).
[ ...اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم... ] (قرآن 9؛ التوبة 31).
لو اعترف اليهود بمسيحية عيسى، لوجب عليهم التخلي عن فكرة انتظار مسيحهم الصهيوني، ومن ثم عن الصهيونية وعن الدولة الإسرائيلية التي تجسد مبادئ هذه الأخيرة. لقد رفض اليهود في الماضي الاعتراف بأن عيسى هو المسيح ويواصلون رفضهم حتى اليوم لأنه يدين تأسيس كيان سياسي باسم الديانة اليهودية. يخبرنا القديس يوحنا في إنجيله عن هرب يسوع وحده إلى الجبل عندما عرف أن اليهود يستعدون لاختطافه وجعله ملكاً زمنياً على إسرائيل (يوحنا 6، 14 - 15). فقد علّمنا يسوع أن ملكوت السماوات داخلي، في القلب، لا في السياسة (لوقا 17، 20 - 21).
في القرن الثاني عشر ق.م، كان القائد العسكري جدعون أول من رفض تأسيس تلك المملكة التي كان يعرضها عليه اليهود:
"وقال رجال بني إسرائيل لجدعون: تسلط علينا أنت وابنك وابن ابنك لأنك خلصتنا من أيدي المديانيين. فقال لهم: لا أنا أتسلط عليكم ولا ابني، بل الرب هو الذي يتسلط عليكم" (القضاة 8، 22).
ثم فيما بعد، أعلن النبي صموئيل في القرن الحادي عشر ق.م عن رفض الله إقامة مملكة إسرائيلية. إلا أن اليهود كانوا يطمحون منذ ذلك الوقت لإنشاء امبراطورية صهيونية عن طريق إقامة مملكة إسرائيلية في فلسطين مع أن الله قد أعلن صراحة بفم النبي صموئيل عن عدم رضاه عنها (صموئيل الأول 8، 19).
برفضه تأسيس مملكة إسرائيلية، يكشف المسيح الهدف الروحي، اللاسياسي للديانة اليهودية ولكل ديانة. لكن هذا لا يعني أن المؤمنين محرومون من ممارسة النشاط السياسي. بل على العكس، إنه من المرغوب ومن الأفضل أن يحكم البلاد رجال مؤمنون، يقودون الناس إلى ما يرضي الله ويخدم أفراد المجتمع بأسره، لا فئة دون أخرى. إنما الاشتراك في الحكم شيء، وتسييس الدين بجعله دين ودولة شيء آخر. فالدين للمؤمنين بالله، أما الدولة فلأبنائها، المؤمنين منهم وغير المؤمنين، فكما جاء في القرآن:
[ لا إكراه في الدين ] (قرآن 2؛ البقرة 256).
ينبغي كتابة هذا الوحي القرآني بحروف من ذهب.
إن أهمية الاعتراف بيسوع مسيحاً، علماً برفضه دولة صهيونية، هو قمة الإيمان في الإنجيل. وهذا يعطي على تصديق القرآن لعيسى كل ثقله:
"لا يقدر أحد أن يقول إن يسوع رب (المسيح) إلا بوحي من الروح القدس" (كورنثوس الأولى 12، 3).
"كل من يؤمن بأن يسوع هو المسيح، فهو مولود (بالروح) من الله" (يوحنا الأولى 5، 1).
ويقول المسيح بنفسه لليهود المتآمرين عليه:
"إن كنتم لا تؤمنون أني أنا هو (المسيح) ستموتون في خطاياكم" (يوحنا 8، 24).
لا بد لنا أيضاً من ذكر هذه الآية القرآنية التي تشهد أن يسوع هو المسيح المنتظر:
[ اتخذوا أحبارهم (الحاخامات) ورهبانهم (المسيحيين) أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمروا إلا ليعبدوا واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ] (قرآن 9؛ التوبة 31).
هذه الآية، التي تشهد أن يسوع [ ابن مريم ] هو المسيح، غالباً ما يسيء تفسيرها بعض الذين يرون فيها نفياً لألوهية المسيح. ليس هذا مقصود القرآن الذي يأتي مصدّقاً للوحي الإنجيلي (قرآن 4؛ النساء 47). والحقيقة هي أن الإنجيل يكشف الألوهية المتجسدة في يسوع. (راجع الباب الثاني: نقاط الخلاف، الفقرة 3: "ألوهية يسوع"). لا يجب إذاً اتخاذ ابن مريم رباً وإلهاً مكان الله، إنما الله المتجسد الذي بشرت به نبوءات الكتاب المقدس. وإلا لكنا سنعبد إلهين منفصلين أحدهما عن الآخر: الله من جهة، والمسيح من جهة أخرى عندما [ أُمروا إلا ليعبدوا واحداً لا إله إلا هو سبحانه ]. تجدر الملاحظة أن كلمة [ أرباب ] هي في الجمع لتدل على الإشراك بالله. هذا التفصيل الدقيق لا يقدر أن يميزه جميع مفسري القرآن الذين لم يبذلوا أي جهد للتفسير [ بالتي هي أحسن ] كما يطلب منا القرآن في سورة العنكبوت 46.
من جهة أخرى، يحذرنا الوحي الإنجيلي أيضاً من ظهور المسيح الدجال الصهيوني:
"لقد سمعتم أن مسيحاً دجالاً سيأتي… إن الذي ينكر أن يسوع هو المسيح، هذا هو المسيح الدجال" (يوحنا الأولى 2، 18 - 22).
نعلم أن اليهود، والصهاينة خصوصاً، ينكرون أن يسوع هو المسيح.
ماذا نستخلص من كلام الوحي الإنجيلي؟ نستخلص النتيجتين التاليتين:
- إن محمد قد آمن أن عيسى هو المسيح بإلهام من الروح القدس، وهو بالتالي "مولود من الله".
- كل الذين ينكرون أن يسوع هو المسيح، أي اليهود الذين يرفضونه وينتظرون مسيحاً آخر، يشكلون جميعهم شخص المسيح الدجال المعنوي. أي باختصار، دولة إسرائيل الحديثة التي ظهرت في فلسطين والتي تجسد قوى المسيح الدجال.
يكشف الوحي الإنجيلي أن يسوع سيقضي بنفسه على المسيح الدجال عند ظهور هذا الأخير. فيقول الرسول بولس في رسالته الثانية إلى أهل تسالونيكي (في اليونان) إن مجيء المسيح سيسبقه ظهور "رجل المعصية"، "العدو" الذي سيبيده يسوع بضياء مجيئه (تسالونيكي الثانية 2، 3 - 12). الكفر الذي أعلن عنه القديس بولس هو تصرف الصهيونيين الكافر والعنصري، كون الله عالمي، لا عنصري. "رجل المعصية"، "ابن الهلاك" و "العدو" الذي يتكلم عنه بولس، هو المسيح الصهيوني، "الذي لا يرضي الله ويعادي جميع الناس"، ودولته الدجال إسرائيل، قلبه النابض، كما يوضح في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي 2، 15. في الماضي، في عهد الامبراطورية الرومانية، كان الصهاينة يعملون في الخفية لتأسيس دولة إسرائيل. فأحبط الرومان خطتهم. أما اليوم، فيسمح لهم ظهور هذه الدولة بأن ينشطوا في العلن وأن يكونوا أكثر قدرة من ذي قبل لبسط سيطرتهم. هذه القوة التي تنكر المسيح يأتيها السلاح من حلفاء يزعمون أنهم تلاميذ يسوع. هنا يتجلى الارتداد عن الإيمان والخيانة في نهاية الأزمنة التي تنبأ بهما الإنجيل (متى 24).
تنبأ النبي محمد في أحاديثه الشريفة عن ظهور هذا الكفر بقوله إن المسيح الدجال سيكون مكتوب بين عينيه أحرف "ك ف ر". هذه الأحرف تشكل مجتمعة كلمة كفر (*). وحدد أن قوى الشر هذه تنبثق من اليهود. في الوحي الإنجيلي، نجد هذا التجديف مكتوباً على رأس "وحش" الرؤيا:
- "وأعطي هذا الوحش فماً ينطق بكلام الكبرياء والتجديف"(رؤيا 13، 5).
- "فرأيت امرأة تجلس على وحش قرمزي مغطى بأسماء التجديف... وعلى جبينها اسم يرمز إلى بابل العظيمة، أم الزنى ودنس الأرض" (رؤيا 17، 1 - 5). مراجعة نص: "مفتاح سفر الرؤيا"
يؤيد النبي محمد القديس بولس ويشدد في "حديثه الشريف" أنه عند ظهور المسيح الدجال، سيقاتله المسيح عيسى وأصحابه ويقضون عليه. أصحاب عيسى اليوم، وفقاً للمقصود الروحي للوحي والنبوءات السماوية، ليسوا المسيحيين التقليديين المتعاونين مع إسرائيل والداعمين لها. هذا الدعم "المسيحي" الآثم لدولة إسرائيل تنبأ به الإنجيل أيضاً مشيراً إلى أن المسيح الدجال سيتمكن حتى من تضليل تلاميذ يسوع المزيفين (متى 24). اليوم، المؤمنون الحقيقيون هم المتعطشون للحق والعدالة، والمحرومون منهما، والثائرون من كل بلد وكل دين على الإثم الصهيوني الغدار وحلفائه المرذولين، والذين يرزحون تحت ثقل الظلم الصهيوني ويقاومون الكيان الإسرائيلي الظالم الدجال والصهيونية العالمية.
وفقاً لنبوءات الإنجيل والنبي محمد، هذا الكيان الإسرائيلي المزيف سيزول إلى الأبد. سيكون فناؤه عظيماً وسقوطه مدوياً ورمزاً لفشل الصهيونية وكل محاولة وكل فكرة تهدف إلى جعل الإيمان ديناً ودولة. بسقوطه سيتعظ كثيرون وسيدركوا أن يسوع هو حقاً المسيح وملكه راسخ إلى الأبد كما جاء في النبوءات.
(*) راجع كتاب "منهل الواردين" للشيخ صبحي الصالح، الأحاديث الشريفة رقم 1806 و 1808 و 1815.
1.2. العذراء مريم
يحتوي القرآن الكريم على أجمل وأروع الآيات عن مريم العذراء والدة المسيح ويضعها على أعلى قمم القداسة البشرية:
[ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ] (قرآن 3، آل عمران 42).
أليست هذه الشهادة إدانة لليهود الذين يكفرون [ بقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ] حتى يومنا (قرآن 4؛ النساء 156).
إن الله، في هذه الآية الشريفة، يصدق على ما أوحاه عن مريم في الإنجيل:
"مباركة أنت في النساء" (لوقا 1، 42).
يكشف القرآن كذلك عن استثنائية طهارة مريم وابنها. فتقول عنهما امرأة عمران، أم مريم (آل عمران هم عائلة مريم):
[ إذ قالت امرأة عمران ربِ إني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبل مني إنك أنت السميع العليم… وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها (عيسى) من الشيطان الرجيم ] (قرآن 3؛ آل عمران 35 - 36).
تقبل الله الرحمَن الرحيم من أم مريم نذرها، فكانت مريم وذريتها عيسى الوحيدان المصونان من الشيطان الرجيم، إذ يقول النبي محمد في حديثه الشريف:
"ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان (وصمة الخطيئة الأصلية) إلا مريم وابنها". (مراجعة تفسير "الجلالين" لآية آل عمران 36)
هذا الحديث، المتفق عليه من العالم الإسلامي بأكمله، هو اعتراف بمريم الحبل بلا دنس. ويعلمنا النبي محمد من خلاله أن جميع البشر، بما فيهم الأنبياء كلهم وأمهاتهم، وهو نفسه، يولدون وقد مسهم الشيطان بدنسه، ما عدا مريم، الحبل بل دنس وابنها عيسى المسيح.
فأين موقف اليهود من هذه الشهادة؟!
1.3. المائدة السماوية
يكشف لنا الوحي القرآني أن الله أنزل [ مائدة ] من السماء غذاءً للحواريين، تلاميذ يسوع المسيح الاثني عشر. يشكل هذا الطعام السماوي نقطة مشتركة بين الكتاب المقدس والقرآن، نقطة تجهلها الأغلبية الساحقة من المؤمنين. إنها تناول جسد ودم المسيح، مائدة الله السماوية. ينقل لنا القرآن بأسلوب تربوي، مجازي وموجز، عشاء الفصح الأخير الذي شاركه يسوع مع تلاميذه، الذي أسس يسوع من خلاله المائدة الروحية بجسده ودمه. ينقل القرآن هذه الحقيقة بأسلوب دقيق، محترماً جهل العالم العربي آنذاك لرسالة الإنجيل:
[ وإذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها (على المائدة) من الشاهدين قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ] (قرآن 5؛ المائدة 112 - 115).
ما هي هذه المائدة النازلة من السماء؟ من المهم جداً أن نعرف طبيعتها الحقيقية بما أن الحواريين قد تعهدوا بأن يكونوا [ عليها من الشاهدين ]. زيادة على ذلك، على هذه الشهادة أن تدوم إلى آخر مؤمن على وجه الأرض، لأن عيسى طلب من الله أن تكون هذه المائدة [ عيداً لأولنا وآخرنا ]. فأنزلها الله لهم محذراً من يكفر بها بعذاب لم يذقه أحد من العالمين.
يظن بعض المفسرين أن هذه المائدة هي طعام مادي كالسمك أو اللحم. ويخلطون بتفسيرهم بين أعجوبة تكثير الخبز والسمك المادية التي قام بها يسوع ونقلها الإنجيل (يوحنا 6)، وأعجوبة الغذاء الروحي، المائدة الروحية النازلة [ من السماء ]، كما يقول القرآن.
ينقل لنا يوحنا، في الفصل 6 من إنجيله، كلام يسوع عن هذا الطعام الروحي الحيوي. قال يسوع أن "جسده ودمه" هما قوت وشراب روحيان يمنحان "الحياة الأبدية" للمؤمنين. عند سماعهم هذا الكلام، تخلى عنه كثير من تلاميذه، لأنهم وجدوا أن هذا "الكلام صعب"، فانقطعوا عنه (يوحنا 6، 48 - 66).
اليوم أيضاً، كثير من "المؤمنين" يرفضون هذا الكلام ويتساءلون "كيف يقدر هذا الرجل أن يعطينا جسده لنأكله!" (يوحنا 6، 52).
لم يتمكن اليهود في الماضي، على الرغم من قرون من التحضير، من فهم يسوع. واليوم أيضاً، عدد كبير من المسيحيين لا يدرك المعنى العميق والحقيقي لكلامه. كيف نفسر إذاً هذه المائدة الروحية النازلة من السماء، لعرب شبه الجزيرة العربية الذين يجهلون الكتاب المقدس؟ كان على القرآن إذاً أن يعرف برسالة الكتاب مستعيناً بالتلميحات والأمثال ليثير فضولهم وولعهم للحقيقة ويحثهم على البحث عن المعنى الروحي العميق لهذه الرسالة في الإنجيل، حيث يجدون كمال النور المتعلق بسر المائدة القرآنية النازلة من السماء. كما قلنا، كثيرون يلاقون صعوبة في فهم هذه الحقيقة؛ إنها مسألة "إيمان أو عدم إيمان! القبول بها أو تركها". لكل مسؤوليته.
يزعم بعض المفسرين أن الله لم ينزل هذه المائدة بعد. هذا التفسير لا يتوافق مع كلام الله تعالى في القرآن: [ إني منزلها عليكم ]. إذاً لقد شارك الرسل الأوائل بهذه المائدة، التي ستبقى حتى نهاية الزمان، ليشهد عليها آخر مؤمن على وجه الأرض.
أعطى المسيح رسله هذه [ المائدة ] النازلة من السماء، أي "خبز الحياة الذي ينزل من السماء" (يوحنا 6، 32 - 36) كما وعد، بعد سنة من الحديث عنه. وقد حدث ذلك خلال عشاء الفصح الأخير (العشاء السري) الذي أكله مع تلاميذه (الحواريين) عندما أخذ خبزاً وبارك وكسره وناولهم وقال:
"خذوا كلوا، هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم. ثم أخذ كأساً وشكر وناولهم وقال: إشربوا منها كلكم، هذا هو دمي، دم العهد الجديد الذي يُسفك لأجلكم ولأجل أناس كثيرين، لمغفرة الخطايا" (متى 26، 26 - 29).
عندئذٍ فهم الرسل، والمؤمنون من بعدهم، كيف يهب المسيح ذاته قوتاً وشراباً. القوت أو المائدة التي يقدمها المسيح الحي لأول وآخر مؤمن هو الروح القدس الذي سيبقى في قلوب المؤمنين من خلال هذا الخبز الذي يأكلونه وهذا الخمر الذي يشربونه، جسد ودم وروح المسيح الحي إلى الأبد.
هذا الشراب السماوي هو الذي يتكلم عنه القرآن الكريم أيضاً في سورة المطففين: الذين يشربون من هذا الخمر النادر هم الأبرار، المختارون من الله، والذين يرفضون أن يشربوا منه هم الملعونون، كما يكشف القرآن:
[ إن الأبرار لفي نعيم على الأرائكِ ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يُسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم (ماء) عيناً يشرب بها المقربون إن الذين أجرموا (الذين يرفضون أن يشربوا منه) كانوا من الذين آمنوا (بهذا الشراب) يضحكون ] (قرآن 83؛ سورة المطففين 22 - 29).
إذ يقدم القرآن الكريم هذا [ الرحيق المختوم ] للمؤمنين بأسلوب شاعري ومنسجم، إنما يصدق هو أيضاً على كلام السيد المسيح في إنجيل يوحنا عن الخبز المختوم، القوت المختوم النازل من السماء، أي المسيح نفسه، "لأن الله الآب ختمه بختمه" (يوحنا 6، 27). هذا القوت السماوي موجود في الخبز والخمر اللذان يقدمان بسخاء على مائدة الله المقدسة النازلة من السماء باستمرار.
نذكّر بما قاله عيسى في سورة المائدة:
[ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا ] (قرآن 5؛ المائدة 114).
هذا يعني أن المائدة التي نزلت من السماء ليست للحواريين وحدهم؛ فهي تستمر بالنزول كل يوم وفي كل مكان، لتكون عيداً [ لأولنا وآخرنا ]، أي لكل المؤمنين في كل زمان وكل مكان، حتى المؤمن الأخير، إلى يوم القيامة، تشهد إلى الأبد أمام الله لمن شهد لها على الأرض.
هذه المائدة وهذا الرحيق المختوم اللذان ينزلان من السماء، هدفهما فرز البشر وتقسيمهم إلى قسمين: المختارون من الله الذين يأكلون من هذه المائدة، والملعونون الذين يرفضونها ويسخرون من الذي يؤمنون بها.
علينا أن نشدد في النهاية على نقطة في غاية الأهمية، وهي أن القرآن الكريم يدفع المؤمنين، بل يحثهم على التنافس، أي على التسابق نحو هذا الرحيق المختوم السري، هذا الشراب المجيد المحيي النازل من السماء (قرآن 83؛ المطففين 26)، الذي يختلف تمام الاختلاف عن الخمر الأرضي. ليتسلح إذاً بالحكمة كل من يرفض هذا الخمر الإلهي، وليحذر كل ساخر يسخر من المؤمنين به المتنافسين عليه، قبل فوات الأوان.
1.4. الروح
ثمة غموض في المجتمع الإسلامي حول مفهوم الروح. تتكرر هذه الكلمة كثيراً في القرآن الكريم دون أن يتم توضيح جوهرها، ما يجعل المؤمنين يتساءلون عن المعنى الصحيح لهذه الكلمة. فورد في سورة الإسراء:
[ ويسألونك عن الروح قل (يا محمد) الروح من أمر ربي وما أوتيتم (في القرآن) من العلم إلا قليلا ] (قرآن 17؛ الإسراء 85).
أراد الله في القرآن الكريم عدم إلقاء النور على معنى الروح بناءً على حكمة إلهية. فالمولى عز وجل أراد أن يكون وحيه القرآني باباً مفتوحاً ومنفذاً إلى الكتاب المقدس والإنجيل خصوصاً، وشاهداً مصدّقاً للوحي الكتابي، كما رأينا سابقاً.
مسألة الروح في القرآن شبيهة بمسألة [ المائدة ] التي أنزلها الله من السماء على الحواريين. لا يمكن للمؤمن أن يدرك معناهما إلا باللجوء إلى الكتاب. فالقرآن الكريم يحث المؤمن على الرجوع إلى الكتاب وأهله، إذ ورد في سورة يونس:
[ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرََؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك (في الكتاب والقرآن) فلا تكونن من الممترين ] (قرآن 10، يونس 94).
هكذا يجعل الله القرآن ممراً إلى الكتاب الذي فيه يجد المؤمنون توضيحاً لما كُشف جزئياً في القرآن الذي يعلن بوضوح أنه لا يقدم لعرب الجاهلية إلا بعضاً من العلم فقط، بل و [ قليلاً ] منه، معظمه الباقي موجود في الكتاب:
[ وما أوتيتم (في القرآن الكريم) من العلم إلا قليلاً ] (قرآن 17؛ الإسراء 85).
من يستخف بالرجوع إلى الكتاب فهو من [ الممترين ] (قرآن 10؛ يونس 4). أما المؤمن المنفتح على كامل الوحي الإلهي فسيجد في الوحي الكتابي الإجابة على مفهوم "الروح"، فهو روح الله القدوس، الله نفسه الذي أرسل روحه الأزلي إلى الأنبياء بدءاً من إبراهيم الخليل حتى تجسده في أحشاء مريم البتول، كما أوحى الله في الكتاب والقرآن.
فقد ورد في الإنجيل:
"فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا عذراء لا أعرف رجلاً؟ فأجابها الملاك: الروح القدس يحل عليك وقدرة العلي تظللك، لذلك فالقدوس الذي يولد منك يُدعى ابن الله" (لوقا 1، 34 - 35).
كما ورد في القرآن:
[ …المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه… ] (قرآن 4؛ النساء 171).
من جهة أخرى، عندما مثل رسل النبي محمد أمام النجاشي ليشرحوا له تعاليم النبي، أجابه جعفر بن أبي طلب عن عيسى المسيح: "نقول فيه الذي جاء فيه نبينا. يقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول".