نظرة إيمان بالقرآن الكريم

تم نسخ الرابط!

1. مبادئ الدراسة

ترتكز دراستنا للوحي الإلهي على مبادئ مستقيمة وجّهت اجتهادنا وهي:

  1. الرجوع إلى نص القرآن نفسه
  2. البحث عن معنى النص الروحي
  3. خط الله التربوي المعتمد في الوحي
  4. وحدة الوحي

إننا باحترامنا هذه المبادئ في دراسة الوحي القرآني، كما في دراسة الوحي الكتابي أيضاً، نتمكن من إدراك المقصود الإلهي والاتعاظ به، لنكتشف في النهاية وحدة الوحيين.

1.1. الرجوع إلى نص القرآن

يطلب الله من المؤمنين أن يكونوا حكماء في بحثهم عن الحقائق الروحية، وأن يستندوا دائماً إلى ما ورد في كتب الوحي، متجاهلين الشائعات التي يروّجها مثيرو الفتن. فيحذرنا الله تعالى قائلاً:

[ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ] (قرآن 22؛ الحج 8).

إن الكتاب المنير الذي نستعين به لفهم روح القرآن هو القرآن نفسه، مؤيدين براهيننا من كتاب الوحي هذا، ومن التوراة والإنجيل، لإبراز الوحدة الموجودة بين كتب الوحي، غاضين النظر عمداً عن احتجاجات المجادلين السطحيين، توفيراً لوقتهم ولوقتنا.

إن الاستعانة بكتاب منير للجدل في الله، حاجة شعر بها رسل السيد المسيح أنفسهم لإقناع اليهود بأن يسوع هو فعلاً المسيح الذي بشّر بمجيئه الأنبياء في التوراة. فنجد في الوحي الإنجيلي أن اليهود الذين آمنوا بالسيد المسيح

"استقبلوا الكلمة (التي بشرت بمجيئه) بفرح، وأخذوا يفحصون يومياً ما ورد في الكتب (التوراة)، للتأكد من صحة ما يسمعون (من الرسل عن المسيح)" (أعمال الرسل 17، 11).

وكذلك أيضاً فعل المسيح مع رسله، فيقول إنجيل لوقا إن المسيح، بعد بعثه،

"فسّر لهم ما ورد عنه في الكتب (التوراة والإنجيل)، من موسى إلى سائر الأنبياء" (لوقا 24، 27).

فعلى المؤمن الحكيم، إن أراد الهدى، أن يرجع دائماً إلى الكتب المنيرة ليبني إيمانه على المعرفة، كما فعل من قبله الذين سبقوه في الإيمان.

1.2. البحث عن المعنى الروحي للنص

أوصانا الله أن نبحث دوماً عن المعنى الروحي لنصوص الوحي، مُحذراً إيانا من الوقوع في فخ التفسير الحرفي الضيق الذي يحرّف المقصود الإلهي.
إننا ندرك أن هدف الوحي الإلهي هو إنعاش حياة النفس وتعزيز اهتمامنا بالحياة الروحية الأبدية التي تفوق بما لا يقاس حياة الجسد. لذلك نجد القرآن، كما الإنجيل والتوراة، يدعونا هو أيضاً، بل ويحثنا على أن ندرك الروح من خلال الحرف. فيقول القرآن:

[ ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ] (قرآن 22؛ الحج 11).

نجد نفس التحذير في الإنجيل بلسان وأسلوب آخر:

"هو الذي جعلنا قادرين على خدمة العهد الجديد، عهد الروح لا عهد الحرف، لإن الحرف يميت والروح يحيي" (كورنثوس الثانية 3، 6).

وحذّرنا السيد المسيح من فهم الوحي حرفياً، والتوقف عند المعنى الحرفي دون السمو إلى المقصود الروحي لكلام النبوءة، إذ قال:

"إن الروح هو الذي يحيي، وأما الجسد فلا يفيد شيئاً. والكلام الذي كلمتكم به هو روح وحياة" (يوحنا 6، 63).

وتدعونا التوراة أيضاً إلى تخطّي الحرف للانضمام إلى الروح. نذكر على سبيل المثال الختان (التطهير) والصوم. فيقول النبي إرميا (القرن السادس ق.م) عن الختان:

"اختتنوا للرب وانزعوا قلف قلوبكم" (إرميا 4، 4).

هكذا ارتفع إذاً هذا النبي الشريف من مفهوم الختان الجسدي إلى مقصوده الروحي، ألا وهو ختان القلب، أي تطهير الروح من أفكارها وميولها النجسة. لذلك يقول القديس بولس أيضاً في إنجيله:

"ليس الختان بشيء ولا عدم الختان بشيء، المهم العمل بوصايا الله" (كورنثوس الأولى 7، 19).

فمن عمل بوصايا الله بمحبة

"كان ختانه ختاناً (روحياً)، ليس بفعل يد بشرية، بل بنزع جسم الخطايا البشري، وهو ختان المسيح". (كولوسي 2، 11)

ذلك هو ختان الروح طبعاً الذي تقوم به يد الله لتطهير الروح بالتوبة والنعمة، والذي لا يقارن بختان الجسد بيد بشرية عاجزة عن تطهير الروح.
فالختان والصوم والذبائح والحج …إلخ كلّها رموز تشابه حقائق روحية وإنها لمن [ المتشابهات ] التي يجب تفسيرها روحياً، لا حرفياً، كما فعل وما زال يفعل أولئك الذين

[ في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ] (قرآن 3؛ آل عمران 7).

بما أن تأويل [ المتشابهات ] التي لا يعلمها إلا الله كما يكشف القرآن الكريم، فكيف إذاً يتجرأ البعض على تأويلها بطريقة وأسلوب يخلقان الفتنة والشقاق بين الإخوة؟ أمّا نحن، فلا نأتي بتأويل من عندنا، إنما لجأنا إلى كلمة الله التي بينت المقصود الإلهي في الكتاب المقدس، وخاصة في كتب الإنجيل السماوي. هناك وجدنا تأويل الله نفسه عن [ المتشابهات ]، وذلك من خلال [ كلمته التي ألقاها إلى مريم ] (قرآن 4؛ النساء 171) متجسداً فيها لينير العالم بمقصود الله في وحيه. وتلك الكلمة المباركة لا تخطىء، كما أنها تفوق وتخزي كل تفسير بشري. من تلك الكلمة الإلهية ما يتعظ [ وما يذكّر إلا أولوا الألباب ] المنفتحين على مجمل الوحي الكتابي القرآني بحرية وارتياح وبلا تشنج. إن كل الذين وقعوا في شباك التعصب اللعين ثم اتعظوا بكلمة الله الشاملة، سيتحررون من تلك العبودية الجهنمية، وينجون من دينونة الله العليم الحكيم فيمجدون وحيه القدوس في الكتاب والقرآن مرددين مع القرآن الكريم:

[ آمنا به كلّ من عند ربنا ] (قرآن 3؛ آل عمران 7).

أمّا عن الصوم، فيقول النبي إشعيا في التوراة (القرن الثامن ق.م):

"الصوم الذي أريده، يقول الرب، هو حل قيود الشر، وفك عقد النير، وإطلاق المظلومين أحراراً، وقطع كل نير ظالم. الصوم، أليس أن تكسر خبزاً للجائع، وأن تُدخل البائسين المطرودين ظلماً بيتك، وإذا رأيت عرياناً فقيراً أن تكسوه؟" (إشعيا 58، 6 - 7).

نعم، إن الصوم الحقيقي هو ربط اللسان عن كل كلام باطل، وعن الافتراء وإلحاق الضرر بالأخوة، والنيل من سمعتهم، والتهام أموال الناس. هذا هو الطعام الواجب الامتناع عنه، كما قال المسيح:

"إسمعوا وافهموا! ليس ما يدخل الفم هو الذي ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هو الذي ينجس الإنسان… إن ما يخرج من الفم، فمن القلب يصدر، وهذا هو الذي ينجس الإنسان. لأن من القلب تخرج الأفكار الرديئة، كالقتل والزنى والفجور والسرقة وشهادة الزور والتجديف. هذه هي التي تنجس الإنسان…" (متى 15، 10 - 20).

إن القرآن الكريم، إذ أُنزل للإنجيل مصدّقاً، يصدّق على هذا الكلام الانقلابي لعيسى بن مريم. فقد ورد في سورة آل عمران قول عيسى لليهود:

[ قد جئتكم بآية من ربكم… ومصدّقاً لما بين يدي من التوراة ولأُحِلَ لكم بعض الذي حُرِمَ عليكم … ] (قرآن 3؛ آل عمران 49 - 50).

لقد فهم أتباع الله أنه ليس هناك من طعام محرّم يعتبره الله نجساً، ولم يرد ذكر تلك المُحرمات في التوراة والقرآن إلا تمهيداً لمفهوم ما هو نجس وما هو طاهر من الأعمال والتصرفات البشرية، لقوم كانوا يجهلون الله والخير والشر.
لذلك عاد المولى عز وجل ووضّح مقصود الحلال والحرام، إذ أوحى لرسوله العربي الكريم في سورة المائدة:

[ اليوم أُحِل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم، وطعامكم حِلّ لهم ] (قرآن 5؛ المائدة 5).

وأيضاً قوله تعالى ليؤكِّد على ما سبق:

[ يا أيها الذين آمنوا لا تُحرّموا طيبات ما أَحلَّ الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيِباً واتقوا الله الذي أنتم به مُؤمنون ] (قرآن 5؛ المائدة 87 - 88)

نلفت الانتباه إلى أن هذه الوصية موجهة إلى [ الذين آمنوا ] ليعملوا بها، وليس لغير المؤمنين الذين لن يعملوا بها. ونحن من معشر هؤلاء المؤمنين غير المعتدين على رسالة عيسى الذي [ أحل بعض الذي حُرّم ] من المأكولات كما رأينا. كما إننا نؤمن بمحمد، زميله المبارك في الرسالة السماوية، والذي أُرسل مصدّقاً للإنجيل ولما ورد فيه من أقوال عيسى. وبناءً على إيماننا هذا، فإننا مصممون أن لا نحرّم ما حلله الله لأن

[ ليس على الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات جُناح فيما طَعِموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعَمِلوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وآمنوا وأحسنوا والله يُحب المُحسنين ] (قرآن 5؛ المائدة 93).

العمل الحسن! هذا ما أوصانا الله به. والعمل الشرير! هذا ما حرمّ الله علينا. لذلك يطلب المولى من رسوله في سورة الأنعام:

[ قل تعالوا أَتْلُ ما حَرّم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً… ولا تقرَّبوا الفواحش… ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم الله به لعلكم تعقِلونَ. ولا تقرَبوا مال اليتيم… وأَوفوا الكيل والميزان بالقسط… وإذا قلتم فاعدِلوا… وبعهد الله أوفوا ذلكم وصّاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطى مستقيماً فاتبِعوه ] (قرآن 6؛ الأنعام 151 - 153).

تجدر الملاحظة إلى أن المولى عز وجل لا يذكر في صراطه المستقيم المبارك هذا شيئاً محرماً من المأكولات، فما يهمه تعالى هو الأعمال الصالحة والنيات الصافية. لقد حان وقت تخطّي تلك المحرمات الغذائية والمادية وتطبيق ما ذكرنا مما يقول عيسى في إنجيل متى (15، 10 - 12) وفي سورة آل عمران (49 - 50). وحده القلب الناضج في الإيمان السليم، المُنصت إلى إرشادات رب العالمين، يستطيع أن يتحرر من سلاسل مفهوم الحرف ويتخطّاه ليسمو إلى المفهوم الروحي، فهذا هو صراط الله المستقيم الذي يطلبه القرآن.

إن ذلك ينطبق أيضاً على الصوم في شهر رمضان (سورة البقرة 183 - 185 والجزء الثاني من الآية 187). هذا الصوم ليس إلزامياً كما يدّعي المتعصبون، بما أن القرآن ذاته يقول: [ يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلّكم تتقون أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيامٍ أُخَر وعلى الذين يُطيقونًه فدية طعامُ مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خيراً لكم إن كنتم تعلمون ] (البقرة 183 - 184). إن الصوم الحقيقي إذاً هو عدم أكل مال الآخرين كما يقول القرآن في الآية 187 من سورة البقرة. إن الذين يعيشون حياةً منظمة ومتوازنة بكل تفاصيلها هم الذين يصومون طيلة حياتهم.
لقد رأينا أشخاصاً يصومون لينقضّوا بعد ذلك على الطعام كالحيوانات المفترسة على الموائد المفعمة، لينتهي بهم الأمر إلى التقيؤ بعد وليمتهم المتوحشة، الغير متوازنة، من المساء حتى الفجر...
طوبى للذين يفهمون المقصود الإلهي ويحققون التوازن وضبط النفس في كل شيء.
لذلك السبب فإن القرآن قد حث وأوصى المؤمنين بأن

[ لا إكراه في الدين. ] (قرآن 2؛ البقرة 256)

وطبعاً، إن ذلك ينطبق على الصوم أيضاً.
كما إن الوحي القرآني يشير أيضاً إلى الصوم عن سماع الكذب وعن أكل أموال الناس:

[ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سمّاعون للكذب أكّالون للسحت (المال الحرام). ] (قرآن 5؛ المائدة 41 - 42)

ويقول الله أيضاً في كتابه الكريم:

[ و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون. ] (قرآن 2؛ البقرة 188)

يظهر مقصود الصوم هنا على أنه عمل روحي، يدوم طوال الحياة الأرضية، وليس الصوم، في المقصود الإلهي، مجرد الامتناع عن طعام مادي لمدة محدودة. كما تظهر هذه الآيات بوضوح أن التطهير الذي أراده الله هو تطهير القلب ، وأن الصوم هو الامتناع عن سماع الكذب وأكل أموال الناس بغير حق.
لقد أعطى موسى اليهود شريعةً، التوراة. فأصرّوا، وبعضهم مازال يصر حتى اليوم، على فهم هذه الشريعة حرفياً، رافضين الانفتاح على المقصود الإلهي. إن هذا الانغلاق الذي انعزلوا فيه عن مشيئة الله، هو سبب رفضهم السيد المسيح. إذ كانوا يريدون مسيحاً عسكرياً محارباً، وسياسياً متسلطاً، واقتصادياً عبقرياً. فجاء المسيح يكلّمهم عن التوبة، ومحبة الآخرين لا محاربتهم، وازدراء المال لا عبادته. كما أنه وضح المفهوم الروحي للصوم، والوضوء (التطهير المادي بالماء)، والسبت، وللشريعة بشكل عام. لكن اليهود المتعصبين تمسكوا بحرفية الشريعة، لا بروحها، ونبذوا المسيح الداعي إلى الارتقاء إلى أعالي التطهير بينابيع المياه الروحية، لا المادية، ينابيع التوبة، التي هي وحدها كفيلة بتطهير القلب من النجاسة الحقيقية الفكرية والروحية.

لذلك يدعونا الله في قرآنه الكريم إلى فحص ضمير جدّي يدين أو يبرّئ كلّ منّا، إذ ورد في سورة يونس:

[ قل أرأيتم ما أَنزَلَ الله لكم من رزقٍ فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل الله أَذِنَ لكم ( أن تقولوا ذلك) أم على الله تفترون وما ظَنُّ الذين يَفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لَذو فضلٍ على الناس ولكن أكثرهم لا يَشكرون ] (قرآن 10؛ يونس 59 - 60).

يتوضح من هذه الآية الخطيرة أن الإنسان هو الذي - بحماقته - افترى على الله جاعلاً من أرزاق الله المحللة، ما هو حرام وما هو حلال. فما تُرى يكون جواب كل منا أمام هذا السؤال الذي يطرحه القرآن: هل الله هو الذي ميّز بين الحلال والحرام فيما رزقنا هو تعالى بنفسه، أم هي حماقة المفترين التي افترت على الله هذا الكذب؟

من ناحية أخرى، يؤكد القرآن الكريم أن للمولى العزيز مطلق الحرية ليمحو ما يشاء من كتب الوحي الإلهي. فورد في سورة الرعد:

[… لِكل أَجَلٍ كتاب، يمحُوَ الله ما يشاءُ ويُثبِتُ وعنده أمُّ الكتاب ] (قرآن 13؛ الرعد 38 - 39).

كذلك، رأينا أن السيد المسيح قد برّأ كل الأطعمة معلناً أن "كل الأطعمة طاهرة" (إنجيل مرقس 7، 19). وكرر المولى فيما بعد للقديس بطرس، ثلاثة مرات، أن يعتبر كل الحيوانات طاهرة قائلاً:

"ما أعلنه الله طاهراً، فلا تدعه أنت نجساً" (أعمال الرسل 10، 15 - 16).

وبدوره، لخّص القديس بولس أمر الطهارة والنجاسة بقوله:

"لا تنقض عمل الله من أجل طعام! لا ريب أن كل شيء طاهر" (رومة 14، 20).

وعاد ليؤكد على هذه الحقيقة بقوله لتلميذه تيطس:

"إن كل شيء طاهر للأطهار، وأمّا الأنجاس وغير المؤمنين فليس لهم شيء طاهر، بل عقلهم وضميرهم أنفسهما قد تنجسا. يعلنون أنهم يعرفون الله، لكنهم ينكرونه بأعمالهم…" (تيطس 1، 15 - 16).

الصراع بين التفسير الحرفي والتفسير الروحي هو صراع دائم. إن الله لا يطلب منا مجرد الإيمان بوحيه، وإنما الإيمان الصالح، ألا وهو الخاضع لمقصوده تعالى. والله روح، تهمّه طهارة روحنا، فبدونها لا نستطيع، مهما طهّرنا الجسد، السمو إليه تعالى. وليس الوضوء الجسدي إلا رمزاً لضرورة تطهير الروح الذي يتحقق بالتوبة والرجوع إلى الله بالإيمان والأعمال الصالحة وإنه لمن [المتشابهات ].

نتناول هذه الآية من سورة الصف التي تدعم بوضوح ضرورة التفسير الروحي للنص القرآني:
[ وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل إني رسول الله إليكم مصدّقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ] (قرآن 61؛ الصف 6).
مفسرون كثيرون، ونحن منهم، يطبقون هذه النبوءة على النبي محمد. إننا، إذا تشبثنا بالتفسير الحرفي، لا يكون النبي محمد هو المقصود في هذه النبوءة بما أن اسمه ليس أحمد. التفسير الروحي يفرض نفسه في هذه الآية، كما في غيرها من الآيات القرآنية، ويقضي قضاءً تاماً على التفسير الحرفي للنص.

إن المؤمنين الباحثين عن معاني الوحي الروحية سرعان ما يصلون إلى قمة الحياة الروحية. أما المتشبثون بالحرف، فهم أقزام ينقلبون على وجوههم إن أصابتهم فتنة، خاسرين الدنيا والآخرة، كما يصفهم القرآن في الآية التالية:

[ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ] (قرآن 22؛ الحج 11).

يزعم البعض أن كلمة "حرف" الواردة في هذه الآية تعني "حافة"، حافة الشيء أو طرفه. لو كان هذا هو المقصود الإلهي لجاءت في الآية كلمة "حافة" لتكون أكثر دقة. المقصود الإلهي يشير بوضوح إلى المؤمنين الجبناء الذين يتعلقون بحروف الكلمة خوفاً من الدينونة، دون أن يحاولوا فهم هدف الروح القدس من خلال محبتهم لله. والحال هو أن "الحرف يميت"، كما يقول الإنجيل، بينما "الروح يحيي" (كورنثوس الثانية 3، 6).

وكيف لا ينقلب المؤمن بالحرف على وجهه أمام آيات متناقضات في نفس الوحي؟ في الحقيقة، إنها وإن بدت متناقضة على صعيد الحرف، إلا أنها متفقة على صعيد الروح والمقصود الإلهي. لذلك، فالصعود إلى المغزى الروحي هو ضرورة خلاصية، لولاه لسقطنا في مستنقع الحرف وتلوثنا بمرض التعصب والجهل، كما هو، للأسف، حال الكثيرين. تتجلى ضرورة الارتقاء إلى المقصود الإلهي والمفهوم الروحي للنصوص في آيتين عن الخلق تبدوان متناقضتين وهما:

[ الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ] (قرآن 25؛ الفرقان 59).

يتكلم هنا عن الخلق في ستة أيام، لكننا نجد في آية أخرى:

[ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين… فقضاهن سبع سماوات في يومين… ] (قرآن 41؛ فصلت 9 و 12).

إن التفاسير التي تحاول التوفيق حرفياً بين الخلق في ستة أيام والخلق في يومين لهزيلة ومضحكة. إنها، لشدة التوائها وغموضها غير مقنعة بتاتاً وتُبعِد عن الوحي كل إنسان جدي ومفكر ذي عقل ناضج ورصين.
كذلك أيضاً، نجد في التوراة روايتين عن الخلق. الأولى تتكلم عن الخلق في ستة أيام، خلق الله فيها الرجل والمرأة في اليوم السادس، بعد خلق العالم والحيوانات والنبات في الأيام الخمسة السابقة (تكوين 1). أما الثانية، فتقول العكس تماماً: إن الله خلق آدم أولاً، ثم وضعه وحده في الفردوس، ثم خلق سائر الحيوانات، وأخيراً خلق حواء من إحدى ضلوع آدم. ولا تأتي القصة حتى على ذكر عدد أيام الخلق (تكوين 2).
فهل يتناقض الوحي؟
لا! إن الوحي لا يناقض ولا يكذّب نفسه. علينا نحن أن نفهم أن الله أراد بكل بساطة، من خلال هاتين الروايتين، أن يكشف للإنسان وجود خالق واحد، لا إله سواه. هذه الحقيقة وحدها أثارت النقمة على الرسل والأنبياء الذين بشروا بها بعد أن خصهم الله بوحيه للهدى. إن معرفة الخالق الواحد هي الحقيقة التي أوحى بها الله لهداية الناس بإبعادهم عن عبادة الأصنام والآلهة الخرافية والتقرب إليه تعالى.
والله الواحد يدعونا، من خلال تعدد روايات الخلق، إلى عدم التوقف عند الحرف، والإرتقاء منه إلى الجوهر الروحي، أي بعدم البحث العلمي لمعرفة كيفية الخلق، بل لمعرفة الإله الواحد الأوحد الخالق كل شيء والذي أوحى وجوده ليعرفه المؤمنون وليحسنوا عبادته دون سواه.
كما في التوراة والإنجيل، كذلك في القرآن الكريم، علينا أن نصعد دوماً إلى المستوى الروحي إذا أردنا الحياة الحقيقية.

1.3. خط الله التربوي المُعتمد في الوحي

لقد اعتمد الله دائماً في وحيه خطاً تربوياً، كأب يقود بموجبه أبناءه، تدريجياً، من حيث وجدهم إلى بلوغ النضج الروحي حيث يريدهم. إن المؤمن الواعي المتبصّر يلاحظ في القرآن هذا الخط التربوي الذي اعتمده الله تجاه عرب الجاهلية في القرن السابع للميلاد. وهذا الخط التربوي نفسه قد اعتمده الله أيضاً مع اليهود والمسيحيين في التوراة والإنجيل.
كان عرب شبه الجزيرة العربية يجهلون حياة الروح لجهلهم الحقائق الإلهية التي كشفها الله. فقبل النبي محمد، كانوا يعبدون في مكة وفي الكعبة بالذات أكثر من 360 إلهاً صنماً، يعتقدون أنها تأكل وتتزوج وتلد أولاداً، إلى ما هنالك من خرافات مشابهة للميثولوجيا اليونانية وآلهتها الخرافية – كالإله "زيوس" والإله "نبتون"... إلخ – التي كانت تُعبد قبل دخول المسيحية أوروبا.
لم يكن في الإمكان إعطاء العرب النور بكامله فجأة، ودفعة واحدة، نظراً لبعدهم التام عن الحقيقة الإلهية. كما لا يمكن لعينٍ بقيت في ظلام حالك طويلاً، أن تنفتح على نور الشمس بشكل مفاجىء، دون أن تنبهر، أو حتى أن تصاب بضرر. فيجب على العين أن تمر من العتمة التامة إلى النور الساطع تدريجياً لئلا تصاب بأذى. كذلك الأمر، كان يجب إعطاء النور الإلهي تدريجياً للذين عاشوا طويلاً في الظلمات.
لذلك، تصرف الله تعالى بحكمة، كعادته، ليمنح نوره للعرب، لا [ بلسان عربي مبين ] فحسب، لكن تدريجياً كما يربّي المعلم تلميذه في المدرسة فيجعله ينتقل من الصفوف الابتدائية إلى الثانوية، ومن ثم إلى الشهادات العليا.
هكذا فعل الله من قبل مع إبراهيم وموسى واليهود بالتوراة، ثم مع المسيحيين بالإنجيل، كاشفاً تدريجياً عن جوهر ذاته الإلهية الروحية الفريدة، ومرشداً بالسلوك الأخلاقي الصالح. هذا الخط التربوي نفسه نجده في القرآن، حيث كشف الله للعرب الحقائق الكتابية تدريجياً، بلباقة خارقة ودقة فائقة، مثلما يربّي الأب أبناءه ليبلغوا سن الرشد. إليكم هذين المثلين، الأول عن الذبائح والثاني عن الزواج.

1.3.1. الذبائح

في زمن موسى، كان اليهود قد تلوّثوا في مصر بعبادة أصنامها، حتى أنهم راحوا يقدمون لها الذبائح تلو الذبائح. فلإبعادهم عن تلك الممارسات التي كانوا قد تعودوا عليها أثناء مكوثهم في مصر لأكثر من أربعمائة سنة، ولتقريبهم من الله تدريجياً، أعطاهم موسى في التوراة طقوساً يقدمون بموجبها الذبائح لله، لا للآلهة المصرية الخرافية. فالمقصود من تلك الذبائح ليس إرضاء الله بها، إنما منع اليهود من تقديمها للأصنام.
لم يكن في وسع موسى إلغاء تلك الذبائح، وحمل اليهود على الاقتناع بعدم جدواها لنيل غفران الله ورحمته، إذ لم يكن في وسعهم استيعاب مفهوم التوبة والاستغفار للتقرب من الله بهما، لا بالذبائح. فسمح الله بتقديم الذبائح، في خطوة أولى، حتى تعود وتنمو معرفة الإله الواحد تدريجياً في ذاكرة اليهود، بعد أن نسوه في مصر. كان المقصود الإلهي من الذبائح الحيوانية إذاً إرشاد المؤمنين إلى الله، لا استرحام المولى بها.
ثم في مرحلة ثانية، وبعد أكثر من خمسة قرون من خروج اليهود من مصر. أوحى الله إلى أنبيائه بعدم جدوى الذبائح والمحرقات الحيوانية، وأعلن أن "الذبيحة" الوحيدة التي يتقبلها على مذبحه الروحي هي تضحية الذات، تضحية النفس التائبة والقلب المستغفر المستسلم لمشيئته تعالى. فاسترحم داود، الملك النبي، المولى عز وجل في مزموره الشهير قائلاً:

"يا رب إفتح شفتاي فيذيع فمي في تسبيحك. لأنك لا ترتضي بذبيحة ومحرقات، إن الذبيحة لله روح منسحق (تائب)، لايرذل الله قلباً منسحقاً ومتواضعاً" (مزمور 51(50)، 15 - 17).

ويقول الله أيضاً في مزمور آخر:

"إنني لا آكل لحم الثيران، ولا أشرب دم التيوس. بل قرِّبوا الحمد ذبيحةً لله، وأُوفوا العلي نذوركم. وادعوني يوم الضيق، فأخلّصكم، فتمجّدوني" (مزمور 50(49)، 13 - 15).

وقال الله صراحةّ بفم النبي إرميا (القرن السادس ق.م) إنه لم يكن هو الذي طلب في التوراة ذبائح ومحرقات حيوانية، وإنما ما طلبه هو الاستجابة لإرشاداته. فيقول النبي إرميا ساخراً من اليهود:

"هكذا تكلّم الرب: أضيفوا محرقاتكم إلى ذبائحكم وكلوا لحومها!! فأنا لم أكلم أباءكم ولا أمرتهم بأية محرقة أو ذبيحة يوم أخرجتهم من أرض مصر. إنما أوصيتهم بأن يسمعوا لي حين أكلمهم فأكون لهم إلهاً ويكونون لي شعباً، ويسلكون في كل طريق آمرهم به لخيرهم" (إرميا 7، 22 - 23).

وأعلن النبي ميخا أيضاً (القرن الثامن ق.م) عن عدم جدوى الذبائح، ثم استطرد قائلاً:

"إن الله قد أخبرك يا إنسان ما هو صالح وما يطلبه منك. إن الرب لا يطلب منك سوى أن تصنع الحق وأن تحب بحنان وأن تسير مع إلهك بتواضع" (ميخا 6، 6 - 8).

يدعونا القرآن بدوره إلى تجاوز الذبائح الحيوانية والسمو إلى مقصودها الروحي. فيقول عن الأضاحي:

[ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ] (قرآن 22؛ الحج 37).

مع ذلك، نجد "المؤمنين" يتهافتون بالملايين على أماكن الحج وينهمكون بتقديم الذبائح بأعداد لا تحصى ولا تعد، لا إرضاءً لله الذي [ لا تناله لحومها ولا دماؤها ]، بل مجاملة للمجتمع، غافلين عن التقوى والسير مع الله يومياً.

1.3.2. الزواج

كان الزواج عند عرب الجاهلية فوضوياً، لا شرع له ولا حد، تماماً مثل الطلاق، تتحكم به أهواء الرجل وغريزته، وكان هذا الوضع يعرّض المرأة لمخاطر جمّة ولعدم الأمان والإستقرار. فدور الحريم المُحتقر، في الشرق العربي القديم، أشهر من أن يعرّف.
فجاء القرآن، في مرحلة أولى، ليحصر عدد الزوجات ويضع شرعاً للطلاق، يعيل بموجبه الرجل المرأة المطلّقة. فبعد أن كان الزواج فوضوياً، حدد الشرع عدد الزوجات الشرعية إلى أربع فقط، ثم علّق على ذلك قائلاً - وهنا يظهر خط الله التربوي – إن الرجل إن خاف أن لا يعدل بين زوجاته، فعليه أن يتزوج بامرأة واحدة فقط. وهذا في حد ذاته تطور عظيم للرجل العربي آنذاك، تطور مر به أيضاً أهل الكتاب. فيقول القرآن الكريم:

[ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى (يشير القرآن إلى الإهتمام باليتامى قبل الاهتمام بالنساء) فانكحوا (تزوجوا) ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة… وآتوا النساء صدقاتهن…] (قرآن 4؛ النساء 3 - 4).

تجدر الملاحظة إلى أن الآية تبدأ بلفت انتباه الرجل إلى اليتامى، فاتحة الطريق بذلك أمام الغيرية، أي محبة الغير. من ثم، إن القرآن في هذه الآية لا يحصر الزواج فحسب، بل إنه يفرض على الرجل مهراً لكل زوجة. إن هذا الأمر في حد ذاته يشجّع على عدم تعدد الزوجات من جهة، ويرفع من شأن المرأة من جهة أخرى. فبدلاً من أن تقدّم المرأة مهراً للرجل، كما هي العادة حتى اليوم في مجتمعات كثيرة، حتى المسيحية الغربية، كانت المرأة، بالعكس، هي التي تأخذ مهراً من الرجل، إلا إذا ارتضت أن تتنازل عنه بطيب خاطر:

[ وأتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً (من تلقاء أنفسهن) فكلوه هنيئاً مريئاً ] (قرآن 4؛ النساء 4).

بعد أن حدد الله في القرآن للعرب عدد الزوجات، ولمّح إلى الزواج الواحد إن لم يعدلوا بين النساء، عاد ليقدم الزواج من واحدة فقط على أنه الوسيلة المثلى والوحيدة لتجنب ظلم الزوجة، فيقول:

[ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولوحرصتم ] (قرآن 4؛ النساء 129).

بهذه الآية يفرض الله على الرجل الزواج بامرأة واحدة فقط. فبعد أن قاده تدريجياً من الزواج الفوضوي، إلى الزواج بأربع نساء فقط، يعود ليحدد للرجل الزواج بواحدة مؤكداً له أنه لن يعدل بين النساء ولو حرص على ذلك. فعلى كل مؤمن صادق راغب في إرضاء الله، لا في إشباع رغباته الخاصة، أن يستخلص مغزى الوحي ويعمل به.
هكذا، بطريقة لبقة وغير مباشرة، أدخل الخالق مفهوم الزواج الواحد في شرايين العرب وذهنيتهم، على الرغم من أن الانطباع الأول الذي كان وما زال مسيطراً عند كثير من المسلمين هو أن القرآن يسمح بتعدد الزوجات. إنما الواقع هو أن تعدد الزوجات كان مقبولاً به إلى حين بلوغ الإنسان مستوى معيناً من النضج النفسي والروحي. فقد أعطى الله الوقت الكافي لخليقته البشرية الضعيفة لأن تعي، مع مرور الزمن ومن خلال التجربة، أهمية أحادية الزواج للحياة الروحية والزمنية.
من خلال مراقبتنا للمجتمع العربي المعاصر، نلاحظ نجاح مخطط الله التربوي في تطبيق أحادية الزواج. فليس للعرب اليوم بغالبيتهم الساحقة سوى زوجة واحدة، في زمن ساءت فيه سمعة تعدد الزوجات إلى حد كبير. كذلك أصبح الطلاق مرفوضاً من معظم العائلات العربية، ليبقى عموماً الملاذ الأخير في الحالات الصعبة ولأسباب جدية، لا هزلية كما كان الخال في الجاهلية. فشاسع هو الفرق بين المجتمع العربي والإسلامي اليوم ومجتمع الجاهلية بعد مرور نسمة القرآن المُحيية عليه.
الإنجيل أيضاً يتبنى نفس الخط التربوي فيما يخص الزواج والطلاق. فعندما دنا إلى السيد المسيح عدد من الفريسيين - الذين كانوا يمارسون الطلاق بحرية تامة - وسألوه عن الطلاق ليحرجوه:

"أيحل للرجل أن يطلق امرأته لأي سبب كان؟ فأجابهم: أما قرأتم (في التوراة) أن الخالق من البدء جعلهما ذكراً وأنثى. وقال: لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويتحد بامرأته، فيصير الاثنان جسداً واحداً؟ فلا يكونان اثنين، بل جسد واحد. وما جمعه الله لا يفرقه الإنسان. وسأله الفريسيون: فلماذا أوصى موسى بأن يعطي الرجل امرأته كتاب طلاق فتطلق؟ فأجابهم يسوع: لقساوة قلوبكم أجاز لكم موسى أن تطلقوا نساءكم. وما كان الأمر من البدء هكذا" (متى 19، 3 - 8).

نشير إلى موقف تلاميذ المسيح الذين صُدموا أيضاً من سماع كلام المعلم فقالوا له:

"إذا كانت هذه حال الرجل مع المرأة، فخير له أن لا يتزوج. فأجابهم يسوع: لا يقبل هذا الكلام إلا الذين أعطي لهم أن يقبلوه. فهنالك بالحقيقة من يولدون خصياناً وآخرون يخصيهم الناس، وآخرون يخصون أنفسهم من أجل ملكوت السماوات. وليفهم من يستطيع!" (متى 19، 10 - 12).

يجب ملاحظة أمرين مهمين في هذه القصة: الأمر الأول، هو أن موسى، وليس الله، هو الذي أجاز أن يعطي الرجل امرأته كتاب الطلاق. سمح موسى بذلك كخطوة تربوية، وتنازلاً وقتياً أو مساومة يجب العدول عنها في حينه من أجل الرجوع إلى الحالة الأصلية التي يريدها الله، وهي عدم الطلاق، كما شرح يسوع. لكن اليهود، لتشبثهم بغرائزهم البشرية، تمسكوا بحرفية الشريعة، رافضين الإرتقاء إلى مقصودها الإلهي.
الأمر الثاني، هو أن المسيح انطلاقاً من حديثه عن الزواج والطلاق، تمادى إلى صعيد أسمى مشيداً بالعفة ومثنياً على الذين "يخصون أنفسهم من أجل ملكوت السماوات". إنه لا يقصد بهذه العبارة عملية جراحية أو الامتناع عن الزواج، إنما يقصد أولئك الذين لا يتزوجون عشوائياً لإرضاء غريزة جنسية أو شهوة محض جسدية، بل تجاوباً لحب روحاني عميق ومخلص مصدره الله الذي يجمع بين قلبَي رجل وامرأة مدى الحياة. إن الذين يسيطرون على حواسهم ويحتفظون بعفة الجسد والروح، رجالاً كانوا أم نساء، إلى حين لقاء رفيق الحياة المختار أو رفيقة الحياة المختارة من الله، هم الذين بعفتهم يجعلون من أنفسهم "خصياناً (روحياً) من أجل ملكوت السماوات"، أي أعفاء ومخلصين في زواج حياتهم الوحيد.
القرآن أيضاً يتكلم عن العفة:

[ وليستعفف (ليخصوا أنفسهم) الذين لا يجدون نكاحاً (زواجاً) حتى يُغنيهم الله من فضله (بإرسال رفيق أو رفيقة الحياة) ] (قرآن 24؛ النور 33).

أين كان عرب الجاهلية من الزواج الواحد؟ بل أين كانوا من العفة قبل الزواج؟ كانت هذه الفضيلة المباركة مجهولة أو محتقرة، إلى درجة اتهام أصحابها بعدم الرجولة. وهذا هو الحال اليوم أيضاً في بلدان تدعي المسيحية.
لقد أتت تعاليم القرآن بثمارها الجيدة، بل شك، في قلوب كثير من العرب. هذا هو فضل القرآن الذي دفع المجتمع الإسلامي إلى الإرتقاء حتى وإن بقيت بعض تعاليمه عقيمة في قلوب كثير من المسلمين المنغلقين على روحه. فبات هؤلاء في جاهلية روحية قد اختاروها هم لأنفسهم سبيلاً بدلاً من الصراط المستقيم، إذ رفضوا العمل بإرشادات المولى العزيز. كذلك، لم تأتي تعاليم الإنجيل بثمارها في قلوب مسيحيين كثيرين يزدرون العفة وقدسية الزواج.

1.4. وحدة الوحي

إن الوحي واحد في التوراة والإنجيل والقرآن، فهو ينبع من إله واحد كشف عن وجوده هو بنفسه، من خلال أنبياء التوراة والإنجيل والقرآن. هذا ما يؤكد عليه القرآن قائلاً لأهل الكتاب:

[ إلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ] (قرآن 29؛ العنكبوت 46).

فمن إله واحد ينبع وحي واحد، ثابت، لا تزوير فيه. ومن يدعي عكس ذلك فهو من الكفار المرذولين.
لاستيعاب وحدة الوحي في الآيات الكتابية والقرآنية، علينا أن نتجاوز تعابيره وأساليبه اللغوية المختلفة، كما قلت، والسمو إلى مقصوده الروحي، فنكتشف وحدته في روح الله الأحد، كما فعلنا في مثلي الذبائح والزواج. وعندها، بعد توحيد الوحي، نستحق أن نكون شهوداً على التوحيد وأن نشهد أن لا إله إلا الله. فلا يليق ولا يمكن أن نكون للتوحيد الإلهي شهوداً إلا بتوحيد الوحي فينا أولاً. وهذا ما قد فعلناه.

يحاول المتعصبون تقسيم هذا الوحي مروجين لإشاعات تحث على الكراهية وإثارة الفتن، منها أن القرآن غير موحى به من الله، ومنها أن الإنجيل مزور أو أنه يناقض نفسه، ومنها أن القرآن نسخ الكتاب، أي أبطله، إلى ما هنالك من افتراءات لا أساس لها في القرآن. وقد شجب علماء أجلاء كثيرون تلك الإدعاءات، منهم المرحوم العلامة الشيخ محمد عبده، وكان شيخ الأزهر بمصر، الذي ثار مراراً وتكراراً على تلك الإشاعات مؤكداً على أصالة نص التوراة والإنجيل، ومذكراً أن القرآن يصدّق عليهما.

إذاً، أهم هذه الإشاعات هي التالية:

  • القرآن غير موحى به من الله
  • القرآن يبطل الإنجيل
  • الإنجيل مزور
  • الإنجيل يناقض نفسه بسبب الاختلافات الظاهرية بين الأناجيل الأربعة إلخ...

لاكتشاف وحدة الوحي، علينا أن نبحث عنها باحترام أمرين، وهما:

  1. وضع الوحي في إطاره الزمني، الجغرافي والاجتماعي.
  2. [ الجدل بالتي هي أحسن ] كما يطلب القرآن.

كل تفسير قرآني يصدّق على التوراة والإنجيل، هو التفسير الأحسن. هذا هو [ الصراط المستقيم ] (قرآن 1؛ الفاتحة 6). وبالمقابل، كل تفسير قرآني يناقض الروح الكتابي مرفوض من الله لأنه يخالف القرآن الذي يصدّق على الكتاب المقدس الذي أنزل من قبله، وينصب في [ صراط المغضوب عليهم والضالين ].

1.4.1. وضع الوحي في إطاره الزمني، الجغرافي والاجتماعي

لنفهم رسالة وحي معين، إن كان في التوراة أو في الإنجيل أو في القرآن، يجب معرفة النبي الذي خصّه الله بوحيه هذا، وسبب نزول الوحي، والبيئة التي نزل فيها. فيقول الله في القرآن:

[ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليُبين لهم ] (قرآن 14؛ إبراهيم 4).

لذلك يجب معرفة قوم، زمن، بيئة ولغة كل نبي، بالإضافة إلى الإطار التاريخي لفهم امتداد الرسالة التي أوحاها الله له.
فيما يخص القرآن، فإن الوحي قد أنزل في شبه الجزيرة العربية ليكشف لسكانها عن وجود إله واحد، لا إله غيره، أوحى الكتاب لأهله ثم أوحاه للعرب، وأن لا وجود لآلهتم الخرافية. فيعلن القرآن للعرب أن الله نفسه قد كشف عن نفسه من قبل لأهل الكتاب (التوراة والإنجيل)، وأنه، من خلال القرآن، يعرفهم عن ذاته ويقدم لهم هذا الكتاب بلسان أو بـ [ قرآن عربي مبين ]، ليتبعوا سنن الذين قبلهم (اليهود والمسيحيين):

[ يريد الله ليبين لكم (أيها العرب) ويهديكم سنن الذين من قبلكم (أهل الكتاب) ] (قرآن 4؛ النساء 26).

طريق الإسلام هي إذاً طريق الكتاب. فيدعو الله العرب إلى الإيمان لا بالقرآن فحسب، بل وبالكتاب أيضاً. وهنا تتجلى وحدة الوحي:

[ آمنوا (أيها العرب) بالله ورسوله (محمد) والكتاب (القرآن) الذي نزل على رسوله والكتاب (التوراة والإنجيل) الذي أنزل من قبل ] (قرآن 4؛ النساء 136).

إن الإيمان بالكتاب المقدس والقرآن الكريم هو في نفس الوقت شرط للإيمان بوحدانية الله وبتحقق وحدة الوحي. إن إيماننا بصحة الكتاب الذي يصدّق عليه القرآن، هو الذي يجعلنا نكتشف التفسير القرآني الصحيح.
فكيف يدعي البعض إذاً أن الكتاب المقدس – والإنجيل خاصة – هو مزور؟ مع أن شهادة القرآن نفسه عكس هذا الافتراء تماماً، فهو يقول:

[ الذين آتيناهم الكتاب (الكتاب المقدس) يتلونه حق تِلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ] (قرآن 2؛ البقرة 121).

إن إيماننا بوحدة الوحي الإلهي وبصونه من قبل الله يفرض علينا الإيمان بالوحي الكتابي وبالوحي القرآني المنبثق منه. فمن يعتبر الكتاب مزوراً، يكذّب القرآن ولا يعتبره إطلاقاً. فكما سبق أن رأينا، يقول الله تعالى:

[ ومن يكفر به (بالكتاب) فأولئك هم الخاسرون ] (قرآن 2؛ البقرة 121).

نلفت الانتباه إلى أن القرآن يشهد لصالح القراءة "الصحيحة" للإنجيل، أي "كما أوحاه الله" (راجع تفسير "الجلالين"). وما يزيد إيماننا بوحدة الوحي وتعلقنا بالكتاب، هو أن النبي العربي كان دائماً يلجأ إلى [ الذين يقرأون الكتاب ] عندما كان يشك في رسالته. وكان الله يرشده بنفسه إلى "أهل الكتاب" إذ قال له:

[ فإن كنت (يا محمد) في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرَؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (الشاكين فيه) ] (قرآن 10؛ يونس 94).

لقد حاولنا الاكتفاء بالقرآن في بحثنا عن الحقيقة، إلا أننا وجدناه يدفعنا إلى الإنجيل:

[ يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ] (قرآن 5؛ المائدة 68).

إننا، من منطلق شهادة القرآن للكتاب، وضعنا نصب أعيننا هدف إظهار وحدة الوحي في كتب الوحي الثلاثة، والبحث دون كلل أو ملل عن نقاط التقاء القرآن بالتوراة والإنجيل. ولقد وفقنا المولى عز وجل في اجتهادنا.

1.4.2. الجدل [ بالتي هي أحسن ]

إننا من خلال بحثنا في أمر وحدة الوحي، وجدنا أن كل تفسير قرآني يناقض الكتاب، هو تفسير يعارض روح القرآن، وهو تفسير باطل يجب التخلّي عنه لأن القرآن يصدّق على الكتاب ولا يناقضه.
في القرآن 15 آية تكشف أن القرآن قد أنزل مصدّقاً للكتاب. نذكر منها هذين المثلين:

[ وآمنوا بما أنزلتُ مصدّقاً لما معكم (الكتاب)...] (قرآن 2؛ البقرة 41)
(راجع أيضاً البقرة 89، 91، 97 و 101)
[ نَزل عليك الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه (الكتاب) وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدىً للناس...] (قرآن 3؛ آل عمران 3)
(راجع أيضاً آل عمران 81 / النساء 47 / المائدة 48 / الأنعام 92 / يونس 37 / يوسف 3 / فاطر 31 / الأحقاف 12 و 30)

نستوحي نهجنا من الوصية القرآنية المنيرة وهي: [ الجدل بالتي هي أحسن ] (قرآن 29؛ العنكبوت 46). إن [ أحسن ] الحجج هي التي تبرهن أن القرآن يصدّق على الكتاب والتي تكمن في اكتشاف وحدة الوحي بين الكتاب والقرآن. هذا هو [ الصراط المستقيم ] للمختارين (قرآن 1؛ الفاتحة 6)، وهذه هي [ العُروة الوُثقى ] (قرآن 2؛ البقرة 256). اقتنعنا أن الحجة الأحسن هي التفسير الذي يصدّق على الكتاب، فهو الذي يجمع بين ما جاء في الكتاب وما جاء في القرآن. وارتاح ضميرنا بهذا الاقتناع، لأننا نأبى أن نكون شهود زور على الوحي الإلهي الكريم. لقد اجتهدنا، مندفعين بمحبة فائقة وحذر شديد، لئلا نقع في فخ الجدل بالتي هي أسوأ كما يفعل الكثيرون. هؤلاء هم المسؤولون عن إبعاد الكثيرين، بتصرفهم الأحمق المتعصب، عن القرآن الكريم، فإنهم بالتالي يشوهون طهارة ووجه الإسلام الصافي النزيه، ويتحملون مسؤولية تضليل النفوس وشق الصفوف أمام الله الديان الأعظم، فقد اندفعوا في [ صراط المغضوب عليهم والضالين ].

1.5. تعليق

يكرر القرآن بقوّة وصية الكتاب الموجهة لأهل الكتاب، يهود ومسيحيين، أن ينشروا معرفة الكتاب، لا أن يخفوها أو يكتموها:

[ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون ] (قرآن 3؛ آل عمران 187).

لقد تغاضى رؤساء شعوب الكتاب عن نشر نوره الإلهي. فأبقوا الرسالة السماوية مقفلة بإحكام، دون تفسير، طالما أن الناس يؤمنون بصورة عمياء، دون أن يفهموا أسباب إيمانهم، جاهلين النبوءات، أو حتى وجودها. القرآن أيضاً، بعد الكتاب، يدين هؤلاء المرشدين المسؤولين الخونة، يهوداً ومسيحيين، ويفضح إهمالهم.
لكن، كيف نحكم على الرؤساء العرب والمسلمين الذين ينفون الكتاب خارج حدودهم في حين أن القرآن، ولحسن الحظ، مرحب به في كل مكان؟ إن القرآن يفرض عليهم هم أيضاً – وهم يعلمون ذلك – كشف رسالة الكتاب بوضوح في كل مكان ولكل البشر ونشرها في العالم أجمع، منذراً الذين يطمسون النور بأسوأ العقاب:

[ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهُدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم اللاعنون ] (قرآن 2؛ البقرة 159).
[ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ] (قرآن 2؛ البقرة 174).

نكتفي بهذا القدر من التعليق.